News

Check out market updates

مغامرة بمليار دولار: تاجر يرهن السوق العقاري؟

مغامرة بمليار دولار: تاجر يرهن السوق العقاري؟
4.4 (88.95%) 38 vote[s]

مصير السوق العقاري في لبنان

تراهن أوساط عقاريّة ومصرفيّة لبنانيّة، بصمتٍ وهدوءٍ بالِغَين، على صندوق عقاري ضخم بقيمة مليار دولار، يتم العمل عليه بعيداً من الأضواء. ومن المفترض أن يبصر النور خلال النصف الأول من العام 2017، على أن يعمل وفقاً للآليّة التي طرحها تعميم مصرف لبنان الرقم 427 في حزيران 2016. وهي الآليّة التي تسمح بتأسيس صناديق مماثلة بتمويل مصرفي، وتسمح للصندوق بالعمل شراءً وبيعاً في السوق العقاري.

يشكّل هذا النمط من العمليّات العقاريّة تحوّلاً كبيراً في طبيعة عمل المصارف والسوق العقاري في لبنان. فتدخّل المصارف في تمويل هذا النوع من عمليّات الشراء والبيع كان ممنوعاً في السابق لمخاطره على عمل المصارف والسوق العقاري ، على حدٍّ سواء.

فكيف سيعمل هذا الصندوق؟ وأي رهانات ومنافع ومخاطر سيحملها توظيف أصول مصرفيّة بهذا الحجم بشكل مباشر في السوق العقاري ، عبر ضخّها في صندوق من هذا النوع؟ ولماذا قرّر مصرف لبنان اجراء هذا التحوّل في أسلوب عمل المصارف؟

رهانات عقاريّة وتحوّلات مصرفيّة
يقوم رهان القطاع العقاري على هذه المبادرة- وقبلها تعميم مصرف لبنان- على تأمين “إنعاش” القطاع من ركود الأسعار القائم منذ 2011، وهو ركود لم تنفع معه جميع رزمات الدعم التي كان يقدّمها مصرف لبنان سابقاً. والجديد في التعميم والصندوق، الذي سيعمل على أساسه، هو آليّة توظيف أصول المصارف بشكل مباشر في صناديق غايتها عمليّات الشراء والبيع، أي بإختصار: هي “حقنة ماليّة مباشرة” في وريد القطاع العقاري.

عمليّاً، سيعمل الصندوق على التدخّل لشراء العقارات بشكل مباشر من تجّار البناء. ما سيسمح بتسييلها من دون تقديم حسومات إضافيّة أو تنزيلات في الأسعار، على أن يبيعها لاحقاً. بالتالي، ستخلّص هذه العمليّات تجّار البناء من عبء البيع ضمن شروط السوق الحاليّة الصعبة، فيما يمكن للصندوق أن يبيعها في شروط أفضل في المستقبل.

وإذا كان الرهان العقاري واضحاً، فالتحوّل المصرفي هو الأبرز. إذ إنّ المصارف كانت ممنوعة، حسب تعاميم وقرارات مصرف لبنان، من “تمويل عمليّات المضاربة العقاريّة أو شراء عقارات (مبنيّة أو غير مبنيّة) بهدف إعادة بيعها”.

والغاية من هذا المنع هي ببساطة منع المصارف من استعمال ثقلها المالي في التأثير على أسعار السوق العقاري ، وحماية السوق العقارية من أثر تدفّق هذه الأموال المصرفيّة للمضاربة فيها. ومن ناحية أُخرى، يفترض بهذا المنع حماية المصارف من التعرّض لمخاطر هذا النوع من المضاربات العقاريّة.

فكيف تم هذا التحوّل عبر السماح بهذه العمليّات بموجب تعميم مصرف لبنان الرقم 427؟

التعميم 427
في حزيران 2016، أصدر مصرف لبنان تعميمه الرقم 427، الذي يسمح بشكل استثنائي للمصارف بإقراض الشركات العقاريّة، شرط أن تكون نسبة الإقراض القصوى 60% من أصول هذه الشركات، على أن تكون العقارات من فئة العقارات المبنيّة (المفرزة أو قيد الإفراز).

وحدّد التعميم المدّة القصوى لتملّك هذه العقارات ضمن إطار الشركات المموّلة بـ10 سنوات من تاريخ الشراء. واشترط أن تكون هذه العقارات مموّلة بتسهيلات مصرفيّة لا تقل قيمتها عن 50% من قيمة العقارات المنوي تملّكها.

مهندسا المشروع
“مهندسا” فكرة المشروع هما نقيب الوسطاء والإستشاريين العقاريين مسعد فارس ورئيس جمعيّة مطوّري العقار في لبنان نمير قرطاس.

يقول فارس لـ”المدن” إنّ الفكرة التي يعمل عليها مع قرطاس منذ مدّة سيتم تمويلها بنسبة لن تقل عن 40% من الجهات التي تملك فائضاً في السيولة وترغب بالإستثمار في المشروع، مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو نقابة المهندسين، بينما سيتم تمويل 60% الباقية من المصارف. أمّا فتح الباب للإكتتاب والإستثمار في الصندوق فسيكون عند إطلاقه في حزيران المقبل.

وعن سبب غياب التغطية الإعلاميّة للفكرة، يقول فارس إن “أي إعلان ممنوع قبل نيل الموافقة الرسميّة من هيئة الأسواق الماليّة في لبنان”، بينما لا يوجد حاليّاً من يحضّر لإنشاء صناديق مماثلة بالحجم نفسه عملاً بتعميم مصرف لبنان 427.

ويؤكّد مسعد أن هناك بحثاً تم على مرحلتين عن العقارات التي يمكن شراؤها عبر هذا الصندوق، والعمل جار على مرحلة ثالثة من البحث أكثر تفصيلاً. أمّا فائدة الصندوق بالنسبة إلى السوق العقاري فتكمن تحديداً في قدرته على تمويل تجّار البناء عبر شراء عقاراتهم المبنيّة. ما سيمكّنهم من متابعة المشاريع والدفع للمورّدين.

مخاوف إقتصاديّة
يعتبر أستاذ الإقتصاد في الجامعة الأميركيّة في بيروت والعضو المؤسس في الجمعية الإقتصاديّة اللبنانيّة جاد شعبان، أنّ من شأن هذا الأسلوب أن يقوم “بتوظيف الموجودات المصرفيّة الضخمة لتمويل المضاربات والطفرة العقاريّة بشكل مباشر”. ويرى أنّ أحد الأهداف الأساسيّة منه إستثمار الفوائض الماليّة الكبيرة بالليرة اللبنانيّة الموجودة في المصارف (في إِشارة إلى الفوائض الناتجة من الهندسات الماليّة لمصرف لبنان).

بالإضافة إلى ذلك، ستشكّل هذه الإستثمارات عاملاً إضافياً من عوامل تركّز الملكيّة العقاريّة بيد فئة صغيرة من كبار النافذين، وهي نسبة تركّز مرتفعة أساساً. ما سيكرّس هيمنة هذه الفئة على العقارات. بالتالي، ستتعزّز قدرة هذه الفئة على السيطرة على أسعار العقارات المرتفعة وغير المتناسبة أساساً مع الطلب الموجود.

ويذكّر شعبان أن توظيف أموال المصارف في القطاع العقاري بهذا الشكل شبيه بالمغامرات المصرفيّة التي قامت بها مصارف أميركيّة قبيل الفقاعة العقارية، وهي أساليب إستثماريّة تجنّبها لبنان سابقاً.

في الواقع، سيشكّل هذا النمط باباً من أبواب تعرّض القطاع المالي (ومعه مدّخرات اللبنانيين) لمخاطر السوق العقاري بشكل مباشر. إذ إنّ نوعيّة أصولها سترتبط بشكل مباشر بمخاطر التوظيفات التي قامت بها في هذا النوع من العمليّات. وهو ارتباط موجود أساساً بشكل مقلق، كما أعلن صندوق النقد الدولي في وقت سابق.

ويلفت شعبان إلى تضارب في المصالح لدى المصارف كونها تملك المعطيات عن تجّار البناء المدينيين لها، والذين يعانون من صعوبات في تسويق العقارات، بينما هي في الوقت نفسه المستفيد من أعمال الصندوق الذي سيتوجّه لشراء هذه العقارات “بأسعار تنافسيّة”، خصوصاً في ظل معطيات السوق الصعبة.

ويشير بعض الخبراء العقاريين إلى أن حجم الصندوق كبير جدّاً نسبةً إلى لاعب عادي في السوق اللبنانية، وسيكون بطبيعة الحال أحد العوامل التي ستؤدّى إلى الحفاظ على أسعار غير متناسبة مع الطلب، إلى أن تستعيد عمليّات المضاربة عافيتها كما في سنوات ما قبل العام 2011.

مشاكل بنيويّة
قد تكون مشكلة السوق العقارية هي أنّها قامت أساساً ولفترة طويلة قبل 2011 على طفرة ومضاربات نتجت في جزء كبير منها من تدفّق رؤوس الأموال من الخارج، وهي طفرة خلقت أسعاراً وطبيعة قطاع لا تتناسب مع الطلب المحلّي.

وقد أدّى إنحسار هذا التدفّق إلى ركود في البيع لم ينتج عنه سوى تصحيح محدود في الأسعار مقارنةً بطبيعة الطلب في السوق، ربّما بفعل عامل تركّز الملكيّات العقاريّة الذي تحدّث عنه شعبان. والمشكلة التي تقلق كثيرين الآن تكمن في الإصرار على إعادة إنعاش النمط السابق عبر هذه المحاولات، بدلاً من محاولة اجراء تعديلات بنيويّة في طبيعة السوق العقارية. فهل تنجح جرعة المليار في إنعاش القطاع وإعادته إلى مرحلة ما قبل 2011؟

المصدر : المدن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *